تعتمد ليبيا على النفط والغاز بنسبة 65% من ناتجها المحلي الإجمالي، و93% من صادراتها، و72% من إيراداتها الحكومية، وفق بيانات البنك الدولي لعام 2024، بينما لا يتجاوز حجم القطاع الخاص 14% من القوى العاملة في البلاد. هذا الاعتماد الأحادي على مورد واحد ليس رقمًا اقتصاديًا مجردًا، بل هو المخاطرة البنيوية التي تجعل أي تقلّب في أسواق الطاقة العالمية تقلّبًا في الموازنة العامة نفسها. ومن هنا، فإن أي حديث عن اقتصاد رقمي بديل في ليبيا ليس ترفًا تقنيًا، بل مسألة استقرار مالي طويل الأمد. هذه هي الخلفية الاقتصادية الحقيقية التي انعقد أمامها معرض وملتقى ليبيا الرقمية Digital Libya Expo 2026 في بنغازي.
Blog Body
المفارقة أن ليبيا لا تعاني ضعفًا في الاتصال الرقمي؛ فبحسب منصة DataReportal، في تقريرها الصادر أواخر 2025، يتصل بالإنترنت اليوم 88.5% من سكان ليبيا البالغ عددهم نحو 7.5 مليون نسمة، وينشط 89.6% منهم على وسائل التواصل الاجتماعي، فيما تتجاوز خطوط الاتصال الجوال 199% من عدد السكان، أي أن كل مواطن ليبي تقريبًا يمتلك أكثر من خط اتصال واحد. لكن وفق مؤشر الأمم المتحدة للحكومة الرقمية لعام 2024، تقع ليبيا خارج قائمة أفضل 100 دولة عالميًا في جاهزية الخدمات الحكومية الرقمية. الفجوة إذًا ليست في اتصال المواطن بالإنترنت، بل في قدرة المؤسسات على تحويل هذا الاتصال إلى خدمة حكومية فعلية وإلى اقتصاد رقمي منتج، بدل أن يبقى استهلاكًا رقميًا صرفًا.
في هذا السياق، نظّمت شركة الملتقى الدولي للمعارض (Al Multaqa International Exhibitions) معرض Digital Libya Expo 2026 على مدى أربعة أيام، من 27 إلى 30 يوليو، في مركز بنغازي للمعارض والمؤتمرات، وضمّ المعرض سبعة محاور رئيسية (التحول الرقمي والخدمات الحكومية، الاقتصاد الرقمي والتقنية المالية، البنية التحتية والاتصال، الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، الأمن السيبراني، المدن الذكية، والأطر التنظيمية)، إلى جانب 21 مجال مشاركة تقنية، بهدف بناء بيئة تعاونية بين صنّاع القرار والقطاع الخاص لدفع النمو الرقمي في ليبيا وتموضعها كرائدة إقليمية في هذا المجال.
شاركت ريناد المجد في هذا الملتقى بجناح خاص، رقم A34 في الجناح الدولي، لعرض خبرتها الممتدة منذ تأسيسها في الرياض عام 2011 عبر سبعة فروع من بينها فرع في طرابلس الغرب، وسبع شهادات جودة وحوكمة دولية، في أربعة مجالات: الحوكمة، الأمن السيبراني، الذكاء الاصطناعي وإدارة البيانات، والبنية المؤسسية.
لماذا تفشل مشاريع التحول الرقمي: قراءة في الآلية لا الرقم فقط
تكرار ذكر أرقام فشل التحول الرقمي في الأدبيات العالمية جعلها تبدو أحيانًا كإحصائية عابرة، بينما هي في حقيقتها تشخيص لآلية متكررة. فبحسب ماكنزي، لم يحقق سوى 16% من مشاريع التحول الرقمي حول العالم نجاحًا كاملًا وقابلًا للاستمرار، أي أن 84% منها لم تحقق ذلك. والسبب، كما توضح دراسات ماكنزي نفسها، ليس غياب الميزانية أو التقنية غالبًا، بل غياب من يملك صلاحية القرار الفعلية داخل المؤسسة بعد انتهاء مرحلة التوقيع والإطلاق. وفي مسح منفصل أجرته غارتنر على أكثر من 3100 قيادة تقنية حول العالم في أكتوبر 2024، لم يحقق سوى 48% من المبادرات الرقمية أهدافها المؤسسية المستهدفة، بينما حققت مجموعة القيادات الأكثر نضجًا (التي تُشرك فرقها غير التقنية في تنفيذ المبادرات الرقمية بنسبة 35% مقابل 21% لدى البقية) نسبة نجاح وصلت إلى 71%. الفارق هنا ليس تقنيًا؛ إنه فارق في الملكية المشتركة للقرار بين القيادة التقنية والتنفيذية، وهو بالضبط تعريف الحوكمة كما تمارسه ريناد المجد في مشاريعها: من يملك القرار، قبل أي سؤال عن الأداة المستخدمة.
هذه الآلية نفسها تنسحب على الذكاء الاصطناعي تحديدًا، أحد المحاور الأربعة لعمل ريناد المجد. فبحسب توقعات غارتنر الصادرة عام 2024، لن يتجاوز 25% من الجهات الحكومية حول العالم من يمتلك خدمات ذكاء اصطناعي توليدي موجّهة للمواطنين مباشرة بحلول عام 2027، والسبب الأول ليس نقص التقنية، بل غياب الثقة العامة ومخاطر الأخطاء غير المضبوطة، وهو ما يجعل توصية غارتنر واضحة: بناء أطر حوكمة وضمان جودة شفافة للذكاء الاصطناعي قبل توسيع استخدامه في الخدمات المواجهة للمواطن، لا بعده. أي جهة ليبية تخطط اليوم لاستخدام الذكاء الاصطناعي في خدماتها الحكومية تقف أمام التحدي نفسه بالضبط.
مخاطر لا يمكن تجاهلها: الأمن السيبراني في السياق الإقليمي
الحوكمة وحدها لا تكفي دون حماية ما يُبنى عليها. ويحذّر تقرير الإنتربول لتقييم التهديدات السيبرانية في أفريقيا لعام 2025 (الإصدار الرابع) من أن ثلثي الدول الأفريقية تصنّف الجرائم السيبرانية بأنها متوسطة إلى عالية الخطورة، وأن الجرائم السيبرانية تمثل أكثر من 30% من إجمالي الجرائم المبلَّغ عنها في غرب القارة وشرقها. الأخطر أن مصر وحدها، وهي الدولة الأقرب جغرافيًا وثقافيًا إلى ليبيا، سجّلت أكثر من 12 ألف حالة برمجيات فدية خلال عام 2024 وحده، مع اختراقات موثقة طالت هيئات حكومية بالكامل في دول أخرى بالقارة، من هيئات النقل إلى مكاتب الإحصاء الوطنية. أي جهة حكومية أو مصرفية في ليبيا تُدير اليوم بيانات مواطنيها أو عملائها رقميًا تقف ضمنيًا داخل دائرة هذا الاستهداف الإقليمي نفسه، ما يجعل الأمن السيبراني شرط تأسيس لأي خدمة رقمية، لا إضافة اختيارية تُدرَس لاحقًا.
نموذج خليجي مزدوج: السعودية والإمارات كدليل أن الفجوة قابلة للسد
النموذج الذي تستحضره ريناد المجد لإثبات أن سد هذه الفجوة ممكن فعليًا، لا نظريًا، هو تجربة الخليج في المؤشر نفسه الذي وضع ليبيا خارج أفضل 100 دولة عالميًا. فقد قفزت المملكة العربية السعودية، ضمن مستهدفات رؤية 2030، من المركز الحادي والثلاثين عالميًا عام 2022 إلى المركز السادس عالميًا عام 2024، واحتلت المركز الأول عالميًا في مؤشر المشاركة الإلكترونية. وفي المؤشر ذاته، جاءت الإمارات العربية المتحدة في المركز الحادي عشر عالميًا بنسبة 0.9533، محتلة المركز الأول عالميًا في جاهزية البنية التحتية للاتصالات وفي ثلاثة مؤشرات فرعية للخدمات الإلكترونية (محو الأمية الحكومية الإلكترونية، الإطار المؤسسي، وتقديم المحتوى). هذان النموذجان يوضحان أن القفزة من مؤخرة الترتيب العالمي إلى مقدمته ممكنة خلال سنوات معدودة، حين تكون الحوكمة والالتزام المؤسسي حاضرين من اليوم الأول، وهذه بالضبط الخبرة التي تنقلها ريناد المجد اليوم إلى السوق الليبي.
أين تلتقي مؤسسة رؤيا بهذا المسار
سد فجوة بهذا الحجم لا يقع على عاتق جهة واحدة؛ فهو يحتاج تضافر القطاع الخاص المتخصص مع مؤسسات محلية تملك شبكة علاقات وفهمًا للسياق الليبي تحديدًا. وعلى هامش مشاركتها في المعرض، عقدت ريناد المجد لقاءً تشاوريًا مع مؤسسة رؤيا للتنمية الاقتصادية الرقمية والدراسات الاستراتيجية في بنغازي، وهي مؤسسة معنية بدعم مبادرات التحول الرقمي والابتكار في السوق الليبي، نظّمت في وقت سابق ملتقى لتمكين المبادرات الرقمية والابتكار، وتربطها شراكات مؤسسية مع جهات أكاديمية محلية من بينها جامعة بنغازي. ضمّ اللقاء الدكتور جمال الفاخوري المدير التنفيذي لمؤسسة رؤيا، والمهندس حامد الحضيري المدير التنفيذي لأكاديمية رؤيا، والدكتورة هدى المقيرحي مديرة التعاون الدولي والشراكات الاستراتيجية، وتناول سبل التعاون بين الجانبين ومناقشة توقيع اتفاقية مشتركة تدعم رؤية المؤسسة، إلى جانب التنسيق لزيارة رسمية لوفدها إلى المقر الرئيسي لريناد المجد في المملكة العربية السعودية.
وتُوّجت هذه المشاركة بتكريم من الدكتور عقبة خليفة حفتر، رئيس مجلس إدارة مؤسسة رؤيا، لريناد المجد تقديرًا لمشاركتها في المعرض وإسهامها في دعم مسيرة التحول الرقمي في ليبيا.
تلتقي هذه الخيوط جميعها في نقطة واحدة: اقتصاد يعتمد على مورد واحد بنسبة تتجاوز الثلثين ويبحث عن بديل، ومجتمع متصل رقميًا بنسبة تتجاوز 88% من سكانه، ونماذج إقليمية مجاورة (السعودية والإمارات) أثبتت أن سد الفجوة المؤسسية ممكن خلال سنوات لا عقود، ومخاطر سيبرانية إقليمية موثقة تفرض التحرك من موقع الحماية لا الاستجابة، ومؤسسات محلية مثل رؤيا تعمل بالفعل على تحفيز هذا المسار من الداخل. في مفترق الطرق هذا، لا تراهن ريناد المجد على التقنية بحد ذاتها بقدر ما تراهن على الحوكمة كأساس يُبنى عليه كل شيء آخر، من الجناح في بنغازي إلى طاولات الحوار مع مؤسسة رؤيا وسواها من الجهات الحكومية والخاصة والتنموية في ليبيا.









