تدخل الجهة الحكومية مرحلة القياس وهي تحمل سجلاً لا يستهان به من المبادرات التقنية، إذ أطلقت خلال السنوات الماضية مشاريع أتمتة في خدماتها، وجرّبت نماذج من الذكاء الاصطناعي في بعض عملياتها، وأوفدت فرقها الفنية لحضور المؤتمرات الدولية ومتابعة أحدث ما وصل إليه سوق التقنيات الناشئة. فريق التقنية داخلها يعرف ما هو الذكاء الاصطناعي التوليدي وما هي التوأمة الرقمية وما هي شبكات البلوك تشين، بل وربما نفّذ تجارب متعددة في بيئات اختبار محدودة، حتى إن بعض أعضاء الفريق يعتقدون في قرارة أنفسهم أنهم متقدمون على كثير من نظرائهم في الجهات الأخرى، ثم يأتي التقرير، وتجد الجهة نفسها في مستوى نضج أقل بكثير مما كانت تتوقع، وتبدأ مرحلة الدهشة التي سرعان ما تتحول إلى تساؤل حائر: أين الخلل؟ هذا المشهد ليس استثناءً طارئاً، بل هو نمط يتكرر دورة بعد دورة في جهات متعددة تنتمي إلى قطاعات مختلفة، وهو نمط يشير في جوهره إلى فجوة بنيوية في طريقة التعامل مع مفهوم الجاهزية للمؤشر، وهي فجوة تفصل بين امتلاك التقنية وبين النضج المؤسسي في تبنيها وفق منهجية هيئة الحكومة الرقمية.
ما الذي يقيسه مؤشر جاهزية تبنّي التقنيات الناشئة، وأين يقع سوء الفهم؟
Blog Body
مؤشر جاهزية تبنّي التقنيات الناشئة الصادر عن هيئة الحكومة الرقمية لا يسأل الجهة: هل لديك مشروع بالذكاء الاصطناعي؟ السؤال الحقيقي الذي يطرحه المؤشر عبر بنيته الكاملة المؤلفة من أربع قدرات رئيسية واثني عشر عنصراً وخمسة وعشرين معياراً هو: هل تمتلك الجهة منظومة عمل مؤسسية ناضجة تضمن أن تبنيها للتقنيات الناشئة يسير وفق دورة متكاملة تبدأ بالبحث المنهجي المنظم، وتمر بالتواصل الداخلي وإشراك أصحاب المصلحة، وتصل إلى إثبات الجدوى بتجارب محدودة النطاق موثقة النتائج، وتنتهي بتكامل التقنية مع العمليات والخدمات والبنية المؤسسية بمنهجية قابلة للمتابعة والقياس؟
الجهة التي تمتلك مشاريع تقنية موزعة بين الإدارات دون منهجية موحدة لاختيار حالات الاستخدام ولا لتوثيق قرارات التبني ولا لقياس الأثر الناتج، لا تجد أمامها مستندات ناقصة فحسب حين يأتي وقت القياس، بل تجد أن الممارسات الجوهرية التي يبحث عنها المقيّم لم تُبنَ أصلاً.
هذا الفارق الحاسم بين غياب الوثيقة وغياب الممارسة هو قلب الإشكالية التي يفشل كثيرون في استيعابها، وحتى يدركها أصحاب القرار يكون موعد القياس قد اقترب أكثر مما ينبغي.
مخاطر الاستعداد المتأخر للمؤشر
حين تستشعر الجهات اقتراب موعد القياس، يكون رد الفعل الأكثر شيوعاً هو تشكيل فريق طارئ مهمته جمع الأدلة وترتيب الملفات وصياغة التقارير بأثر رجعي، أي إعادة تصوير ما تم من مشاريع وتقديمه في قوالب تتوافق مع المتطلبات، والرجوع إلى مبادرات قديمة وتصويرها على أنها حالات استخدام مدروسة مبنية على تحليل قيمة واضح، ثم كتابة محاضر اجتماعات لورش عمل لم تُنفَّذ فعلياً بالمستوى الذي يعكس إشراكاً حقيقياً لأصحاب المصلحة، وحتى الادعاء بوجود إثبات مفهوم منهجي في حين أن ما جرى لم يكن سوى تجربة تقنية غير موثقة الأهداف ولا محددة المؤشرات ولا مرتبطة بقرار رسمي بشأن التوسع أو الإيقاف.
المشكلة في هذا المسار ليست أخلاقية فقط، بل هي مشكلة تشغيلية بامتياز، إذ إن ما يبحث عنه المؤشر ليس وثيقة تصف ما حدث، بل سجلاً مؤسسياً يُثبت أن قرارات التبني مرّت بمسار نضج حقيقي يشمل تحليل القيمة المتوقعة وتقدير المخاطر المحتملة وإشراك الإدارات المالكة للمهام وتوثيق الدروس المستفادة من التجارب والارتباط بالأهداف الاستراتيجية للجهة، وهذا السجل لا يُصنَع في أسابيع قليلة مهما بلغت مهارة من يصنعه.
ثم إن هيئة الحكومة الرقمية وهي ترسم معايير المؤشر عبر خمسة وعشرين معياراً تمتد عبر أبعاد متقاطعة بين الثقافة والممارسات والنتائج، تعلم تماماً الفرق بين الجهة التي بنت ممارسات النضج المؤسسي على مدى أشهر وبين الجهة التي صنعت ملفات في أسابيع، ذلك الفرق يظهر في تفاصيل المخرجات وفي مستوى الاتساق بين الأدلة المقدمة وبين وصف القدرات الفعلية للفريق.
الإشكاليات الهيكلية الأربع التي تنسف مبادرات التحول الرقمي الجيدة
ثمة جهات تمتلك مبادرات تقنية قوية فعلاً، غير أن هذه المبادرات لم تولّد النضج المؤشري المطلوب لأنها نشأت في سياق تقني منفصل عن المنظومة التي يقيسها المؤشر، ويمكن تفسير ذلك عبر أربع إشكاليات هيكلية تتكرر باستمرار في معظم الجهات التي تعاني من هذه الفجوة.
الأولى: المبادرة دون مبرر الاختيار
كثير من الجهات تبدأ مشاريعها التقنية بسبب توجيه من قيادة أو متابعة لتجربة جهة أخرى أو استجابة لعرض مزود حل، دون أن تمر هذه المبادرة بمرحلة بحث منهجي يُثبت أن التقنية هي الأنسب لهذا الاحتياج التشغيلي المحدد وأنها تحمل قيمة محتملة أعلى من بدائلها، وهذا تحديداً ما تقيسه قدرة البحث في المؤشر، لا مجرد الاطلاع على التقنية بل بناء المنطق المؤسسي لاختيارها.
الثانية: التجربة دون سجل قرار
عُرفت تجارب الإثبات العملي في كثير من الجهات بأنها مشاريع تجريبية تجري بهدوء داخل الفرق الفنية ثم تُوقف أو تتوسع دون أن يُسجَّل قرار رسمي مبرر بأدلة أداء، وهذا الغياب بالذات يُسقط الجهة في معايير إثبات الجدوى التي تشترط وجود تقارير أداء منهجية ومؤشرات نجاح محددة مسبقاً وقرارات موثقة بالتوسع أو التحسين أو إعادة التصميم.
الثالثة: العمل في صوامع منفصلة
حين تعمل إدارة تقنية المعلومات بمعزل عن الإدارات التشغيلية المالكة للمهام، ينتج عن ذلك مشاريع تقنية لا ترتبط باحتياج حقيقي واضح ولا بقياس أثر على الخدمة أو المستفيد، وهذا الانفصال يُضعف قدرة التواصل في منظور المؤشر التي تشترط وجود إشراك فعلي لأصحاب المصلحة وبناء فهم مشترك حول فرص التقنية وتحدياتها.
الرابعة: الاكتفاء بالوصف دون قياس الأثر
الجهة التي تُعرِّف جاهزيتها بوجود مبادرات وتُحدد نجاحها بإطلاق المشاريع لا بقياس الأثر الناتج عنها، ستجد أن المؤشر يبحث تحديداً عن شيء مختلف، وهو تحول قابل للقياس في الخدمة أو في كفاءة العملية أو في تجربة المستفيد مرتبط مباشرة بتبني التقنية الناشئة ويتضمن مقارنة بين ما قبل وما بعد التطبيق.
ما لا يمكن بناؤه في تسعين يوماً
أحد أكثر الأرقام التي تُحدث أثراً في قناعات المسؤولين حين يسمعونها للمرة الأولى هو أن مرحلة جمع الأدلة والمخرجات وحدها تستغرق ما يصل إلى تسعين يوم عمل نظراً لطبيعة الأدلة المطلوبة وتعدد أصحاب العلاقة والحاجة إلى ربط المخرجات بقدرات المؤشر ومتطلباته، فضلاً عن أن ورش التمكين والتثقيف قد تصل إلى عشرين ورشة عمل بحسب مستوى جاهزية الجهة وعدد الإدارات المشاركة، وهذا يعني أن الجهة التي تبدأ الاستعداد قبل التقييم بثلاثة أشهر فقط لن تتمكن أصلاً من إنجاز مرحلة جمع الأدلة بالمستوى المطلوب، ناهيك عن بناء الجاهزية الفعلية في قدراتها الأربع.
بل إن تنفيذ إثبات مفهوم أو منتج أولي بالمنهجية التي يتطلبها المؤشر، أي بتحديد نطاق التجربة ومؤشرات نجاحها واختبارها مع المستخدمين الفعليين ثم قياس النتائج وتوثيق الدروس المستفادة والخروج بتوصية رسمية بشأن التوسع أو التحسين، هذا كله يستلزم وقتاً يُحدده نطاق التجربة وجاهزية البيانات والبنية التقنية لا رغبة الفريق في الإسراع، وهذا الوقت لا يمكن استعارته من اللحظات الأخيرة قبل التقييم.
كيف تحقق الجهات مستوى متقدم في مؤشر التقنيات الناشئة؟
الجهات التي نجحت في الوصول إلى مستويات نضج متقدمة في المؤشر لم تفعل ذلك بامتلاك تقنيات أكثر أو فرق أذكى، بل فعلت ذلك لأنها قرأت المؤشر كما هو فعلاً: نظام قياس للنضج المؤسسي في التعامل مع التقنية لا استفتاء على عدد المشاريع القائمة، ثم بنت على ذلك الفهم منظومة عمل داخلية تجعل مخرجات المؤشر نتيجة طبيعية لممارسات يومية وليس مخرجات تُصنَع حين يقترب الموعد.
السؤال الذي يجب أن تطرحه أي جهة حكومية على نفسها اليوم هو التالي: هل نمتلك سجلاً مؤسسياً موثقاً يُثبت أن قرارات تبني تقنياتنا الناشئة مرّت بمسار نضج حقيقي يشمل تحليل القيمة والمخاطر وإشراك أصحاب المصلحة وإثبات الجدوى وقياس الأثر والارتباط بالاستراتيجية؟ أم أننا نمتلك مشاريع تقنية جيدة وغياباً شبه تام للمنظومة التي تحوّل تلك المشاريع إلى نضج مؤسسي قابل للقياس والدفاع عنه أمام فرق التدقيق؟
الجواب عن هذا السؤال وحده كفيل بتحديد ما إذا كانت الجهة تتجه نحو نتيجة تعكس ما تستحقه من التقدم التقني، أو نحو نتيجة تعكس فجوة بين الفعل والتوثيق المنهجي له، وهي فجوة لا يمكن ردمها بأثر رجعي مهما توافرت الموارد وضيق الوقت.
ما الذي تستلزمه الجاهزية الحقيقية لمؤشر التقنيات الناشئة؟
الجهة التي تريد أن تكون نتيجتها في المؤشر انعكاساً أميناً لما بنته من قدرات تقنية حقيقية تحتاج إلى الانتقال من نموذج الاستعداد للمؤشر إلى نموذج بناء النضج المؤسسي، وهذا الانتقال يعني أن تُحوّل ممارسات التبني الناشئ من نشاط يحدث عند الحاجة إلى نظام عمل منتظم، يمتلك فيه فريق البحث آليات منهجية لرصد التقنيات الناشئة ذات الصلة باختصاصات الجهة وتقدير قيمتها المحتملة ومخاطرها المحتملة ثم ترتيبها في محفظة فرص مُصنَّفة حسب الأولوية والجدوى.
وحتى يمتلك فريق التواصل سجلات ورش عمل حقيقية تُثبت إشراك الإدارات التشغيلية، وحتى يمتلك فريق الإثبات تجارب موثقة بمنهجية صارمة تشمل المؤشرات والنتائج والقرارات، وحتى يمتلك فريق التكامل خارطة طريق ترصد كيف تسري التقنية من التجربة المحدودة نحو التطبيق المؤسسي المستدام. حين يصل موعد القياس وقد بنت الجهة هذه المنظومة، لن تحتاج إلى حملة استعداد طارئة أو فريق جمع أدلة يعمل ليلاً ونهاراً، لأن الأدلة ستكون موجودة بالفعل كمخرجات طبيعية لعمل يجري على مدار السنة، وهذا بالضبط هو الفرق بين الجهة التي تدير علاقتها مع المؤشر كمتطلب امتثال وبين الجهة التي تديره كرحلة نضج مؤسسي متكاملة.
أسئلة يطرحها قادة التحول الرقمي
- كيف نثبت النضج في مؤشر التقنيات الناشئة إذا كانت مبادراتنا التقنية قائمة لكنها تفتقر إلى التوثيق المنهجي؟
الخطوة الأولى هي التفريق بين ما يمكن إعادة هندسته وما لا يمكن. المبادرات القائمة يمكن إخضاعها لعملية تشخيص تحدد ما يصلح للربط بمتطلبات المؤشر وما يحتاج إلى استكمال فعلي قبل تقديمه دليلاً. غير أن الجزء المتعلق بتحليل القيمة والمخاطر وسجلات قرار التوسع أو الإيقاف لا يمكن صياغته بأثر رجعي بشكل موثوق، وهو ما يجعل البدء المبكر في بناء الممارسات الصحيحة أجدى من محاولة تغطية الفجوات لاحقاً.
- كيف نختار حالة استخدام تستحق الاستثمار في PoC وتدعم رفع النضج دون الانجراف نحو تقنيات مبهرة ضعيفة الأثر الفعلي؟
المعيار الأمثل في الاختيار ليس مدى حداثة التقنية، بل مدى تقاطعها المباشر مع تحدٍّ تشغيلي فعلي داخل الجهة وارتباطها بهدف استراتيجي قابل للقياس. حالة الاستخدام القوية هي التي يمكن تحديد مؤشرات نجاحها قبل بدء التجربة، ويمكن الدفاع عن نتائجها بأرقام أمام فريق التدقيق بعد انتهائها، بصرف النظر عن مدى إثارة التقنية المستخدمة.
- كيف نبني مساراً متعدد السنوات لرفع النضج بدلاً من استنزاف الموارد في معالجة ثغرات المؤشر قبيل كل دورة قياس؟
نقطة التحول الجوهرية هي التخلي عن عقلية الامتثال الموسمي لصالح بناء قدرة مؤسسية مستدامة، وهذا لا يتحقق بمشروع واحد بل بتحويل منهجية التبني إلى نظام عمل يومي تنتج عنه الأدلة بشكل طبيعي. خارطة الطريق الواقعية تبدأ بتشخيص الوضع الحالي ثم تُعيّن مستوى النضج المستهدف ثم تُحدد الأنشطة المطلوبة لكل قدرة من قدرات المؤشر الأربع بأفق زمني يمتد من سنة إلى ثلاث سنوات.
- هل يمكن للجهة أن تتولى هذه الرحلة بمواردها الداخلية، أم أن التعقيد يستلزم شريكاً متخصصاً؟
يعتمد ذلك اعتماداً كبيراً على مستوى النضج الحالي للجهة وحجم الفجوات التي يكشفها التشخيص الأولي. الجهات التي تمتلك فريقاً داخلياً متمرساً بمنهجيات المؤشر ولديها وقت كافٍ قبل دورة القياس تستطيع قطع جزء كبير من الطريق وحدها. غير أن الجهة التي تكتشف فجوات جوهرية في الإثبات أو التكامل أو توثيق قرارات التبني تحتاج إلى شريك يحمل خبرة عملية في تصميم منظومة الجاهزية لا مجرد قوالب جاهزة.











