Blog Body
ثمة رقم واحد يتصدر مشهد البنية التقنية لدورة قياس التحول الرقمي لعام 2026، ويستحق أن يُقرأ بعناية قبل أن تبدأ أي جهة حكومية خطوتها الأولى نحو الاستعداد: 60% هو الحد الأدنى المطلوب من الموارد التقنية الحكومية على بيئات سحابية بنهاية هذا العام، على أن يرتفع هذا الرقم إلى 70% بحلول عام 2027. وما يجعل هذا الرقم أثقل من أي مستهدف سبقه هو أنه ليس توصية أو حثاً على الاستخدام السحابي، بل معيار تقييمي مباشر يُحتسب ضمن نتيجة القياس، ويعني تفاوت الجهات بحسب مستوى التزامها به. والجهة التي أهملت خطة الترحيل السحابي أو أرجأتها ستجد نفسها أمام فجوة في محور ذي وزن حقيقي، لا أمام ملاحظة شكلية يمكن تجاوزها بوثيقة.
أولاً: ما الذي تتطلبه المعايير بالضبط؟
يُنظّم الإصدار الخامس من وثيقة معايير التحول الرقمي ملفَّ الحوسبة السحابية عبر محور البنية السحابية (5.12)، ويمتد هذا المحور على ثلاثة معايير رئيسية تشكل مجتمعةً منظومة متكاملة لا يكفي الوفاء بأحدها دون الآخر:
أولها: تأسيس وحدة مخصصة للحوسبة السحابية داخل الجهة وتمكينها هيكلياً، بما يشمل إصدار قرار التأسيس، وتحديد الهيكل التنظيمي والأدوار والمسؤوليات، وتعيين أعضاء الفريق والمسؤول الأول عن الوحدة، وتشكيل لجنة حوكمة بإطار عملها الواضح، حتى تنتقل الوحدة من مجرد تشكيل ورقي إلى كيان تشغيلي حقيقي داخل الجهة.
وثانيها: إعداد خطة متكاملة لتبني الحوسبة السحابية لمدة لا تقل عن سنتين، وهي الخطة التي تُحدد نطاق التحول ومؤشرات قياسه، وتتضمن حصراً وتصنيفاً كاملاً لأعباء عمل الجهة التقنية مع تحديد حالة استضافة كل منها سواء كانت داخلية أم سحابية أم هجينة، إلى جانب خارطة طريق الترحيل بجدولها الزمني وأولوياتها وتبعياتها. وعلى هذه الخطة أن تُبيّن بوضوح المسار نحو الوصول إلى نسبة 60% بنهاية 2026، ثم 70% بنهاية 2027.
وثالثها: تفعيل البيئة السحابية تفعيلاً تشغيلياً حقيقياً، يتجاوز مجرد الاستضافة ليشمل أدوات مراقبة الأداء والإنفاق، وأدوات إدارة المخاطر والحماية من خلال أنظمة حماية الشبكة والموارد وضبط صلاحيات الوصول، وأنظمة النسخ الاحتياطي والتعافي من الكوارث، فضلاً عن إصدار تقارير دورية تُوثّق الاستخدام ومستوى الإنفاق وفرص الترشيد.
ثانياً: لماذا يُربك هذا الملف كثيراً من الجهات؟
يكثر الحديث عن أهمية الحوسبة السحابية منذ سنوات، غير أن الانتقال من الإقرار بأهميتها إلى تنفيذ خطة ترحيل ممنهجة يعصف بعقبات لا تتعلق بالرغبة بل بالتعقيد التقني والمؤسسي الذي يصاحب هذا التحول.
عقبة التصنيف والحصر: كثير من الجهات لا تمتلك قائمة موحدة وشاملة بأعباء عملها التقنية وحالة استضافة كل منها. وهذا الغياب ليس إهمالاً بالضرورة، بل نتيجة طبيعية لتراكم الأنظمة على مدى سنوات وتطورها في سياقات مختلفة. غير أن ما كان مقبولاً تشغيلياً أصبح اليوم فجوة في المتطلبات، إذ يستحيل بناء خطة ترحيل قبل الإجابة عن سؤال: ماذا تملك الجهة وأين تستضيفه الآن؟
عقبة تحديد أولويات الترحيل: ليس كل نظام مرشحاً للانتقال إلى السحابة بالطريقة ذاتها وفي التوقيت نفسه. بعض الأنظمة حساسة البيانات تستلزم اشتراطات أمنية خاصة قبل الترحيل، وبعضها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بأنظمة أخرى بما يجعل ترحيلها منفصلاً أمراً معقداً. وتحديد الأولويات وفق معيار يجمع بين متطلبات القياس وضمانات الأمن واستمرارية الأعمال يحتاج إلى تحليل متخصص لا اجتهاداً ارتجالياً.
عقبة المواءمة مع الأمن السيبراني: الترحيل السحابي يعني بالضرورة إدخال بيئة تقنية جديدة يجب أن تتوافق مع ضوابط الأمن السيبراني الصادرة عن الجهات المختصة، بما فيها اشتراطات حماية البيانات وسياسات الوصول وإدارة الهويات. الجهة التي تُسرع بالترحيل دون مواءمة هذا البُعد قد تنجح في رفع النسبة عدداً لكنها تفتح ثغرات في محاور الأمن السيبراني والاستمرارية تُكلّفها في مكان آخر.
عقبة توثيق التقدم: حتى الجهات التي تقطع شوطاً جيداً نحو الترحيل تواجه أحياناً صعوبة في إثبات هذا التقدم بالصورة التي تقبلها معايير القياس، وهي مشكلة التوثيق المتكررة التي تُهدر نقاطاً على إنجازات حقيقية لم تُترجم إلى إثباتات مقبولة.
ثالثاً: كيف تُبنى خطة الترحيل السحابي بصورة صحيحة؟
ما يُحدد نجاح التحول السحابي لا يكمن في سرعة الترحيل، بل في منهجيته. والخطة التي تُنجح الجهة حتى في استيفاء متطلبات القياس تمر بأربع مراحل متسلسلة:
المرحلة الأولى: الحصر والتصنيف الشامل. تبدأ كل خطة ترحيل ناجحة من قائمة شاملة وموثقة بأعباء العمل التقنية للجهة، مصنفةً وفق نوع النظام وحساسية البيانات وحالة الاستضافة الحالية وحجم الموارد المخصصة. هذا الحصر ليس عملاً ورقياً بل الأساس الذي يُبنى عليه كل ما يأتي بعده، وهو ما يتطلب وقتاً وتنسيقاً حقيقياً بين الإدارات.
المرحلة الثانية: تحليل الجاهزية وتحديد الأولويات. لا يُرحَّل كل شيء بالوتيرة نفسها ولا بالأسلوب ذاته. يعتمد تحليل الجاهزية على تقييم كل نظام بحسب مدى ملاءمته للبيئة السحابية، ومتطلباته الأمنية، وارتباطاته بأنظمة أخرى، وأثر أي انقطاع محتمل خلال عملية الترحيل. ناتج هذا التحليل قائمة مرتبة بأولويات الترحيل تأخذ في الحسبان الوقت المتاح والمستهدف المطلوب.
المرحلة الثالثة: بناء خارطة الطريق بتفاصيلها الزمنية. الخطة الجيدة لا تقتصر على تحديد ما سيُرحَّل، بل تضع جدولاً زمنياً واضحاً لكل مرحلة من مراحل الترحيل، وتحدد المسؤوليات والتبعيات والمخاطر المحتملة مع خطط التعامل معها. هذه الخارطة هي أيضاً الوثيقة التي تُثبت جدية التحول أمام هيئة الحكومة الرقمية وتُؤسس لمتطلبات الإثبات.
المرحلة الرابعة: التشغيل الآمن ومتابعة الأداء. بعد الترحيل لا تنتهي المهمة، بل تبدأ مرحلة مختلفة تتطلب تفعيل أدوات المراقبة والحماية وإدارة الوصول والنسخ الاحتياطي، وإصدار تقارير دورية موثِّقة لنسبة الإنفاق والاستخدام والتقدم نحو المستهدفات، وهي التقارير التي ستُطلبها الهيئة إثباتاً على استمرارية التشغيل السحابي لا مجرد انتقاله.
رابعاً: أسئلة تشخيصية سريعة قبل أن تبدأ
قبل الشروع في أي خطة ترحيل، يستحق القائمون على ملف التحول الرقمي طرح هذه الأسئلة على أنفسهم:
هل تمتلك الجهة سجلاً محدثاً وشاملاً بجميع أنظمتها التقنية وحالة استضافة كل منها؟ وهل صدر قرار بتأسيس وحدة الحوسبة السحابية وتشكيل فريقها رسمياً؟ وهل توجد خطة معتمدة لتبني الحوسبة السحابية تغطي مدة سنتين على الأقل وتتضمن مؤشرات قياس واضحة؟ وهل تُصدر الجهة تقارير دورية تُوثّق نسبة التبني الحالية وتقارنها بالمستهدف؟ وهل تمت مواءمة السياسات الأمنية الداخلية مع ضوابط الحوسبة السحابية الصادرة عن هيئة الحكومة الرقمية؟
إجابة “لا” على أي من هذه الأسئلة تعني فجوة في معيار من المعايير الثلاثة المكوّنة لمحور البنية السحابية، وهي فجوة تستحق خطة معالجة مبكرة لا انتظاراً حتى يضيق الوقت.
خامساً: ما الذي يجعل الترحيل السحابي مختلفاً حين يُدار بدعم متخصص؟
الفارق الحقيقي لا يكمن فقط في التنفيذ التقني، بل يبدأ أولاً من جودة التشخيص وصحة تحديد الأولويات، ثم يمتد إلى ضمان أن كل خطوة تقنية تنتج إثباتاً مقبولاً ضمن معايير القياس، لا مجرد إنجازاً تشغيلياً غير موثق بالصورة الصحيحة.
تمتلك ريناد المجد لتقنية المعلومات (RMG) خبرة عملية مباشرة مع عشرات الجهات الحكومية عبر دورات متعاقبة، وقد واكب فريقها الجهاتِ الحكوميةَ عبر محور البنية السحابية بكامل متطلباته، بدءاً من حصر الأنظمة وتصنيفها، ومروراً بإعداد خطط الترحيل وخرائط الطريق، وصولاً إلى تفعيل بيئات التشغيل السحابي وضمان مواءمتها مع الأمن السيبراني وضوابط هيئة الحكومة الرقمية، ومع الاشتراطات الدولية ذات الصلة كمعيار ISO 27017 لأمن المعلومات في الخدمات السحابية ومعيار ISO 27018 لحماية البيانات الشخصية على بيئة السحابة.
سادساً: الخطأ الذي تقع فيه الجهات المتأخرة عن الترحيل
حين يتأخر القرار وتضيق النافذة الزمنية قبيل موعد دورة القياس، تلجأ بعض الجهات إلى ترحيل أنظمة سريعة لرفع النسبة عددياً دون تخطيط كافٍ، وهذا يُولّد مشكلتين متزامنتين: أولاهما الهشاشة الأمنية نتيجة ترحيل غير مدروس، وثانيتهما ضعف التوثيق الذي يجعل النسبة المرفوعة غير قابلة للإثبات أمام الهيئة بالصورة المطلوبة. وفي كلتا الحالتين تخسر الجهة على أكثر من محور في آن واحد.
الحل لا يكمن في تسريع الترحيل بل في تبكير التخطيط له، بحيث تكون خطة التبني السحابي جاهزةً مع بداية الدورة لا قُبيل إغلاقها، وتسير الأنظمة نحو السحابة وفق ترتيب محسوب يراعي الأمن والاستمرارية والإثبات بالتوازي.
الأسئلة الشائعة
ما معنى نسبة الـ 60% المطلوبة وكيف تُحتسب؟
تعني هذه النسبة أن 60% على الأقل من الموارد التقنية للجهة، محتسبةً وفق الآلية المعتمدة من هيئة الحكومة الرقمية والتي تُراعي حجم البنية التحتية والمنصات والتطبيقات، يجب أن تكون مستضافة على بيئات سحابية بنهاية عام 2026. وتُتيح الهيئة آلية احتساب تفصيلية على موقعها، وتشترط تحديث بيانات استبانة حصر الاحتياج السحابي على منصة رقمي.
هل يُلزَم بالترحيل السحابي جميع الجهات الحكومية؟
نعم، يُلزَم به جميع الجهات الحكومية كقاعدة عامة، مع استثناء خاص بالجهات الأمنية والعسكرية التي تخضع لبعض المتطلبات بصورة مختلفة. غير أن الجزء المتعلق بتأسيس وحدة الحوسبة السحابية وإعداد خطة التبني ينطبق على جميع الجهات بلا استثناء.
ما الفرق بين تأسيس وحدة الحوسبة السحابية وتنفيذ الترحيل الفعلي؟
تأسيس الوحدة هو الركيزة المؤسسية التي تُضفي على التحول السحابي طابع الحوكمة الرسمية داخل الجهة، بما يشمل القرار الرسمي وتعيين الفريق وإطار العمل. أما التنفيذ الفعلي فيعني ترحيل الأنظمة وتشغيلها سحابياً وتفعيل أدوات المراقبة والحماية. وكلاهما مطلوب ضمن معايير القياس ويُحتسب كل منهما بشكل مستقل.
هل يمكن تحقيق نسبة الـ 60% دون الإخلال باستمرارية الأعمال؟
يمكن ذلك حين يُبنى الترحيل على أولويات محددة تُقدّم الأنظمة الأقل حساسية وارتباطاً، وحين تتضمن الخطة آليات للتعافي واختبارات قبل كل مرحلة ترحيل. الترحيل السحابي المدروس يرفع مستوى استمرارية الأعمال بدلاً من أن يُهددها، لأن البيئة السحابية المُفعَّلة بصورة صحيحة تُوفر أدوات تعافٍ وحماية أكثر مما تُوفره البنية التحتية التقليدية.
كم يحتاج تنفيذ خطة الترحيل السحابي من الوقت؟
يختلف ذلك اختلافاً كبيراً بحسب حجم الجهة وعدد أنظمتها ونسبة التبني الحالية لديها. غير أن القاعدة الثابتة هي أن كل أسبوع تأخير في التخطيط يُضاعف الضغط على مرحلة التنفيذ. والجهات التي بدأت مبكراً حققت مستهدفاتها بأمان واستدامة، بينما الجهات التي بدأت متأخرة اضطرت إلى تسريع انعكس على جودة التوثيق وزاد من المخاطر التشغيلية.











