تبدأ الجهات الحكومية في المملكة العربية السعودية كل عام في مثل هذا التوقيت تقريباً بالتساؤل: كيف تغيّر القياس هذه الدورة، وأين نقف الآن؟ وهذا سؤال مشروع تماماً، لأن قياس التحول الرقمي ليس مجرد اختبار سنوي تجتازه ثم تنسى أمره، بل هو في حقيقته مرآة تعكس مستوى النضج الرقمي الفعلي لجهتك، ومقياس تحتكم إليه القيادة العليا لاتخاذ قراراتها، كما أنه مؤشر يشكّل مسار التحول الرقمي للمملكة ككل ضمن أهداف رؤية 2030. إن دورة 2026 تحمل معها تغييرات جوهرية. هيئة الحكومة الرقمية أصدرت الإصدار الخامس من وثيقة معايير القياس، وهو إصدار لا يمكن التعامل معه بالأسلوب القديم نفسه. في هذه التدوينة نفتح ملف هذه التغييرات بشكل صريح وعملي، ونضع في يدك الصورة الكاملة حتى لا تُفاجأ.
Blog Body
ماذا يعني قياس التحول الرقمي أصلاً؟
قبل الحديث عن المستجدات، من الأهمية بمكان أن نرسّخ الفهم الصحيح للقياس، خاصةً لمن يتعامل معه لأول مرة أو يريد إعادة ضبط بوصلته.
قياس التحول الرقمي هو المؤشر الوطني الذي وضعته هيئة الحكومة الرقمية (DGA) لقياس مستوى تحول الجهات الحكومية رقمياً، ويتم التقييم من خلال عشرة مناظير رئيسية تمتد لتشمل كل شيء من البنية المؤسسية والحوكمة، مروراً بالخدمات الرقمية والبنية التحتية، وصولاً إلى الابتكار وتوظيف التقنيات الناشئة.
نتيجة القياس لا تُعطي جهتك رقماً فحسب، بل تضعها في إحدى خمس مراحل متصاعدة:
البناء ← الإتاحة ← التحسين ← التكامل ← الإبداع
الوصول لمرحلة التكامل أو الإبداع ليس ترفاً، هو مؤشر مباشر على قدرة الجهة في تقديم خدمات ذكية وسلسة للمستفيدين، وهو ما يحتل أولوية قصوى في مستهدفات الحكومة السعودية الرقمية.
الجديد في دورة 2026بإصدارها الخامس
كثير من الجهات تقع في خطأ التعامل مع إصدارات القياس الجديدة باعتبارها تحديثات طفيفة. الإصدار الخامس لعام 2026 مختلف، وإليك لماذا:
-
تراجع عدد المعايير من 95 إلى 89 معياراً — وهذا خبر أعمق مما يبدو
للوهلة الأولى قد يبدو هذا تخفيفاً للعبء، لكن الحقيقة أن هذا التراجع جاء نتيجة إعادة هيكلة حقيقية: دُمجت بعض المعايير المتداخلة ضمن محاور موحدة، واستُبدلت أخرى بمتطلبات أشمل وأكثر عمقاً. الجهة التي ستتعامل مع 89 معياراً بنفس طريقة عملها مع 95 ستجد نفسها أمام مفاجآت غير سارة. وقد ارتفع عدد المحاور في المقابل من 23 إلى 24 محوراً، ما يعني إضافة تركيز جديد لا حذفاً للمتطلبات.
-
اختفاء منظور البيانات الحكومية كلياً — وبناء مسارين متوازيين
هذا هو التحول الأكبر والأكثر أثراً في دورة 2026. منظور البيانات الحكومية تم نقله بالكامل إلى هيئة سدايا ليُقيَّم حصرياً عبر مؤشر “نضيء”. هذا يعني أن الجهة باتت مطالبة ببناء مسارين متوازيين للامتثال: أحدهما لمتطلبات هيئة الحكومة الرقمية DGA، والآخر لمتطلبات سدايا، مع ضرورة عدم تشتت الجهود الإدارية والفنية بين المسارين. الجهة التي تدير هذا الملف بمنطق “مسؤول واحد لكل شيء” ستجد نفسها في ورطة.
-
ظهور المنظور التاسع: كفاءة المواقع وجودة المحتوى الرقمي
هذا منظور جديد كلياً لم يكن موجوداً في الإصدارات السابقة. لم يعد يكفي أن تملك الجهة موقعاً إلكترونياً قائماً، بل سيتم التقييم بناءً على الجودة التحريرية للمحتوى، وخلو الموقع من الأخطاء، وظهوره في محركات البحث، ومدى وصول محتواه للجمهور المستهدف بكفاءة. من لم يُعِر هذا الملف اهتماماً حتى الآن، يحتاج إلى مراجعة عاجلة.
-
المشتريات الرقمية: ضبط الإنفاق التقني
محور “المشتريات الرقمية” الجديد يُلزم الجهات بطرح منافسات خدمات الاتصالات وتقنية المعلومات عبر منصة “اعتماد”، مع معايير صارمة لترشيد الإنفاق على الدوائر الرقمية. هذا ليس مجرد اشتراط إجرائي، بل ربط مباشر بين كفاءة الإنفاق ونتيجة القياس.
-
متطلبات الخدمات الاستباقية — الرقم يرتفع
دورة 2026 رفعت المتطلبات المرتبطة بالخدمات الاستباقية بشكل ملموس. الجهات مطالبة الآن بتقديم 10 خدمات داخلية استباقية كحد أدنى، إلى جانب تحويل 30% من خدماتها الخارجية — أو 10% أيهما أعلى — إلى خدمات استباقية. هذا ليس ترفاً تقنياً، بل ترجمة مباشرة لمفهوم الحكومة التي تتواصل مع المستفيد قبل أن يطرق بابها.
-
إلزامية رحلات الحياة المدعومة بالذكاء الاصطناعي
الجهات التي تريد الوصول لمراحل التكامل والإبداع باتت ملزمة بإطلاق ثلاث رحلات حياة متكاملة تتضمن تقنيات الذكاء الاصطناعي في إحداها على الأقل. الذكاء الاصطناعي لم يعد خياراً بل جزء واضح من المعادلة التقييمية.
-
مستهدف الحوسبة السحابية يقفز إلى 60%
على الجهات استضافة 60% من مواردها التقنية على بيئات سحابية بنهاية 2026، مع مسار تصاعدي يرفع هذه النسبة إلى 70% في دورة 2027. الجهات التي لم تشرع في وضع خارطة طريق للترحيل السحابي تجد نفسها في سباق مع الزمن.
قراءة في مخرجات دورة 2025
قبل أن تتحدث عن خططك لـ 2026، من الضروري فهم المشهد الذي أفرزته دورة 2025. شاركت في تلك الدورة 240 جهة حكومية، حقق متوسطها العام نسبة إنجاز بلغت 88.30%، وهو رقم يُنظر إليه كثيرون باعتباره مؤشراً إيجابياً، لكنه في الوقت ذاته يكشف أن ثمة جهات لا تزال تقف عند مراحل التحسين والإتاحة، بينما وصل بعضها إلى مرحلة الإبداع.
ما تكشفه تقارير دورة 2025 هو أن الجهات التي حققت قفزات نوعية كانت تعمل وفق خطة متكاملة تمتد عبر الوقت، لا وفق استجابات طارئة قبيل انتهاء نافذة التقييم. القفزة لا تُصنع في الأسابيع الأخيرة.
تحديات شائعة تواجهها الجهات — ما الذي يُبطئ التقدم؟
بعد سنوات من العمل المباشر مع عشرات الجهات الحكومية في ملف قياس التحول الرقمي، تبرز تحديات متكررة تكاد تكون مشتركة عبر مختلف القطاعات:
صعوبة جمع الإثباتات وتوثيقها: كثير من الجهات تمتلك مبادرات حقيقية ومنجزات فعلية، لكنها تفشل في تقديمها بالشكل والتوقيت المطلوبين. إدارة عشرات المعايير ومئات الوثائق بالطرق اليدوية التقليدية غالباً ما يؤدي إلى فقدان الوثائق وانخفاض الدرجات بشكل مؤلم.
تشتت الجهود بين الإدارات: غياب جهة مركزية تقود ملف القياس داخل الجهة يؤدي إلى تكرار الجهود وضياع الوقت والتناقض في المخرجات.
التغير السنوي في الإطار: كل دورة تحمل تحديثات تستدعي مراجعة ما أُنجز مسبقاً وتعديل المخرجات. الجهة التي لا تملك آلية للتكيف السريع مع هذه التغييرات تجد نفسها تبدأ من الصفر.
الفجوة بين النضج التقني والتوثيق: بعض الجهات تحقق نضجاً تقنياً حقيقياً لكنه غير موثق بالطريقة التي يفهمها إطار القياس. هذه فجوة تُكلّف نقاطاً ثمينة.
أين تقف جهتك الآن؟
قبل أن تحدد من أين تبدأ، اسأل نفسك هذه الأسئلة:
- هل تعرف نتيجة جهتك التفصيلية في آخر دورة قياس وتفهم أسباب كل معيار لم تحققه؟
- هل لديك شخص أو فريق مخصص لإدارة ملف القياس على مدار العام؟
- هل راجعت الإصدار الخامس من معايير 2026 وحددت المعايير الجديدة التي تتطلب استعداداً مختلفاً؟
- هل بدأت جهتك في رسم خارطة الترحيل السحابي للوصول إلى نسبة الـ 60%؟
- هل لديك خطة لإدارة المسارين المتوازيين: متطلبات DGA ومتطلبات سدايا بشكل منفصل ومتناسق؟
إذا كانت إجابتك على ثلاثة أسئلة أو أكثر “لا” أو “لا أعرف”، فهذا مؤشر واضح على أن الجهة تحتاج إلى مراجعة استراتيجية لملف القياس قبل أن تدخل في تفاصيل كل معيار.
نموذج الاستعداد الذكي لدورة 2026
الجهة التي تريد نتائج مختلفة تحتاج نهجاً مختلفاً. فيما يلي مسار عملي مجرّب:
المرحلة الأولى — تشخيص الواقع : مقارنة وضع جهتك الفعلي بكل معيار من معايير الإصدار الخامس، وتحديد الفجوات وتصنيفها حسب الأولوية والأثر. التشخيص الدقيق يشمل أيضاً تحديد موقف الجهة من متطلبات سدايا بالتوازي.
المرحلة الثانية — بناء خارطة الطريق التنفيذية: خطة واضحة المعالم تتضمن: ماذا يجب إنجازه؟ من المسؤول؟ وما الجدول الزمني الواقعي؟ مع تخصيص مسار منفصل لكل جهة رقابية.
المرحلة الثالثة — التنفيذ بنظام ضمان الجودة: كل مبادرة تُنجز يجب أن تُوثَّق بالشكل المطلوب وأن تُراجع قبل تقديمها. الانتقال إلى أنظمة إدارية مؤتمتة يُقلّل الأخطاء البشرية ويضمن جاهزية الملف في أي وقت.
المرحلة الرابعة — المراجعة الدورية وإغلاق الفجوات: القياس ليس حدثاً سنوياً، هو عملية مستمرة. الجهات التي تحقق قفزات نوعية تعمل على ملف القياس على مدار العام، لا في الأسابيع الأخيرة قبل الإغلاق.
لماذا الشراكة مع جهة متخصصة تصنع فارقاً؟
دعنا نكون صريحين: كثير من الجهات الحكومية تمتلك كفاءات وطاقات داخلية ممتازة، لكن ملف قياس التحول الرقمي بتعقيداته وتحديثاته السنوية وتشابك معاييره يحتاج تراكماً من الخبرة العملية لا تبنيه في موسم واحد.
شركة ريناد المجد لتقنية المعلومات (RMG) لم تدخل هذا الملف من باب التنظير، بل من باب العمل الميداني المباشر. منذ الدورة السابعة لقياس التحول الرقمي وفريق ريناد المجد حاضر في هذا الملف بشكل متواصل، يرافق الجهات الحكومية عبر كل مرحلة من مراحل الاستعداد والتنفيذ والتقديم.
ما يميز هذه التجربة ليس مجرد معرفة الإطار النظري للقياس، بل الفهم العميق لما يحدث فعلياً داخل الجهات: أين تكمن الفجوات الحقيقية، وكيف يمكن ترجمة مبادرة قائمة فعلياً إلى إثبات يُحتسب في القياس، وكيف تُدار متطلبات الجهتين الرقابيتين — DGA وسدايا — في آنٍ واحد دون تضارب في الجهود.
الأسئلة الشائعة
ما هو قياس التحول الرقمي الحكومي؟ هو المؤشر الوطني الذي تُشرف عليه هيئة الحكومة الرقمية (DGA) لقياس مستوى التحول الرقمي في الجهات الحكومية السعودية. يُقيّم الجهة عبر عشرة مناظير ويصنّفها في إحدى خمس مراحل من البناء وحتى الإبداع.
كم عدد معايير قياس التحول الرقمي في دورة 2026؟ وفقاً للإصدار الخامس الصادر عن هيئة الحكومة الرقمية، انتقل عدد المعايير من 95 في دورة 2025 إلى 89 معياراً موزعة على 24 محوراً ضمن 10 مناظير.
ما الجديد الأبرز في قياس 2026؟ حذف منظور البيانات الحكومية ونقله إلى مؤشر نضيء التابع لسدايا، إضافة منظور كفاءة المواقع وجودة المحتوى الرقمي، رفع متطلبات الخدمات الاستباقية إلى 30% أو 10% أيهما أعلى، إلزامية رحلات الحياة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، ورفع مستهدف الحوسبة السحابية إلى 60%.
ما الفرق بين مسار DGA ومسار سدايا؟ منذ دورة 2026، تُقيّم هيئة الحكومة الرقمية (DGA) معايير التحول الرقمي التشغيلي، بينما تُقيّم سدايا عبر مؤشر نضيء معايير حوكمة البيانات وإدارتها وفتحها. الجهات مطالبة بالامتثال للاثنين بشكل متوازٍ.
متى يجب أن تبدأ الجهة في الاستعداد لدورة قياس 2026؟ الاستعداد المثالي يبدأ فور صدور الوثيقة الرسمية. التوصية العملية أن تكون خارطة الطريق التنفيذية جاهزة قبل منتصف العام على أقل تقدير، مع ترك وقت كافٍ للتنفيذ ومراجعة الإثباتات.
ما الفرق بين مراحل التكامل والإبداع في القياس؟ مرحلة التكامل تعني أن الجهة حققت تكاملاً شاملاً في خدماتها ومنظومتها الرقمية. أما الإبداع فهي المرحلة الأعلى التي تعكس قدرة الجهة على الاستباقية والابتكار في تقديم خدماتها، وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل فعلي ومقيس.











